فخر الدين الرازي
75
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
يرده اللجام ، والمراد من الآية أنهم من شدة تأذيهم من الرسول ومن المسلمين صاروا بهذه الحالة . واعلم أنه تعالى ذكر ثلاثة أشياء وهي : الملجأ ، والمغارات ، والمدخل ، والأقرب أن يحمل كل واحد منها على غير ما يحمل الآخر عليه ، فالملجأ يحتمل الحصون ، والمغارات الكهوف في الجبال ، والمدخل السرب تحت الأرض نحو الآبار . قال صاحب « الكشاف » : قرئ مُدَّخَلًا من دخل ومدخلا من أدخل وهو مكان يدخلون فيه أنفسهم ، وقرأ أبي بن كعب متدخلا وقرأ لوألو إليه أي لالتجاؤا ، وقرأ أنس يجمزون فسئل عنه فقال : يجمحون ويجمزون ويشتدون واحد . [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 58 إلى 59 ] وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ ( 58 ) وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ راغِبُونَ ( 59 ) اعلم أن المقصود من هذا شرح نوع آخر من قبائحهم وفضائحهم ، وهو طعنهم في الرسول بسبب أخذ الصدقات من الأغنياء ويقولون : إنه يؤثر بها من يشاء من أقاربه وأهل مودته وينسبونه إلى أنه لا يراعي العدل ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : [ في شأن نزول الآية ] قال أبو سعيد الخدري رضي اللّه عنه : بينا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقسم مالا إذ جاءه المقداد بن ذي الخويصرة التميمي ، وهو حرقوص بن زهير ، أصل الخوارج فقال : اعدل يا رسول اللّه ، فقال : « ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل » فنزلت هذه الآية . قال الكلبي : قال رجل من المنافقين يقال له أبو الجواظ لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : تزعم أن اللّه أمرك أن تضع الصدقات في الفقراء والمساكين ولم تضعها في رعاء الشاء ؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا أبا لك أما كان موسى راعيا أما كان داود راعيا » فلما ذهب ، قال عليه الصلاة والسلام : « احذروا هذا وأصحابه فإنهم منافقون » و روى أبو بكر الأصم رضي اللّه عنه في « تفسيره » : أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال لرجل من أصحابه : « ما علمك بفلان » فقال : مالي به علم إلا إنك تدنيه في المجلس وتجزل له العطاء ، فقال عليه الصلاة والسلام : « إنه منافق أداري عن نفاقه وأخاف أن يفسد على غيره » فقال : لو أعطيت فلانا بعض ما تعطيه ، فقال عليه الصلاة والسلام : « إنه مؤمن أكله إلى إيمانه ، وأما هذا فمنافق أداريه خوف إفساده » . المسألة الثانية : قوله : يَلْمِزُكَ قال الليث : اللمز كالهمز في الوجه . يقال : رجل لمزة يعيبك في وجهك ، ورجل همزة يعيبك بالغيب . وقال الزجاج : يقال لمزت الرجل ألمزه بالكسر ، وألمزه بضم الميم إذا عيبته ، وكذلك همزته أهمزه همزا . إذا عيبته ، والهمزة اللمزة : الذي يغتاب الناس ويعيبهم ، وهذا يدل على أن الزجاج لم يفرق بين الهمز واللمز . قال الأزهري : وأصل الهمز / واللمز الدفع . يقال : همزته ولمزته إذا دفعته ، وفرق أبو بكر الأصم بينهما ، فقال : اللمز أن يشير إلى صاحبه بعيب جليسه ، والهمز أن يكسر عينه على جليسه إلى صاحبه . إذا عرفت هذا فنقول : قال ابن عباس : يلمزك يغتابك . وقال قتادة : يطعن عليك . وقال الكلبي : يعيبك في أمر ما ، ولا تفاوت بين هذه الروايات إلا في الألفاظ . قال أبو علي الفارسي : هاهنا محذوف والتقدير : يعيبك في تفريق الصدقات . قال مولانا العلامة الداعي إلى اللّه : لفظ القرآن وهو قوله : وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي